أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
80
العقد الفريد
الحمر - يعني الموالي - فجعلت تليق أستاهها كما تلاق الدواة « 1 » . وقيل لأبي مهدية : أتقرأ من كتاب اللّه شيئا ؟ قال : نعم . ثم افتتح يقرأ : وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى « 2 » حتى انتهى إلى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى « 3 » فالتفت إلى صاحب له فقال : إن هؤلاء العلوج « 4 » يقولون : ووجدك ضالا فهدى . واللّه لا أقولها أبدا . ولما سن أبو مهدية ولي جانبا من اليمامة ، وكان به قوم من اليهود أهل عطاء وجدة ، فأرسل إليهم فقال : ما عندكم من المسيح ؟ قالوا : قتلناه وصلبناه ! قال : فهل غرمتم ديته ؟ قالوا : لا . قال : إذا واللّه لا تبرحوا حتى تغرموا ديته ! فأرضوه حتى كف عنهم . وقيل لأبي مهدية : ما أصبركم معشر الأعراب على البدو ؛ قال : كيف لا يصبر على البدو من طعامه الشمس وشرابه الريح ! ؟ ونظر أبو مهدية إلى رجل يستنجي ويكثر من الماء ، فقال له : إلى كم تغسلها ويحك ! أتريد أن تشرب فيها سويقا ! ومات طفل لأبي مهدية ، فقيل له : اصبر يا أبا مهدية ؛ فإنه فرط افترطته « 5 » ، وخير قدمته ، وذخر أحرزته . فقال : بل ولد دفنته ، وثكل تعجلته ؛ واللّه لئن لم أجزع للنقص ، لا أفرح للمزيد . قال أبو عبيدة : سمع أبو مهدية رجلا يقول بالفارسية : زود زود . فقال : ما يقول هذا ؟ فقيل له يقول : عجل عجل . فقال : أفلا يقول : حيهلا .
--> ( 1 ) ألاق الدواة : أصلح مدادها ( 2 ) سورة الضحى الآية 1 و 2 . ( 3 ) سورة الضحى الآية 7 . ( 4 ) العلوج : جمع علج ، وهو كل جاف شديد من الرجال . ( 5 ) الفرط : الولد لم يبلغ الحلم ؛ وافتراطه : فقده .